الشيخ عبد الغني النابلسي
41
كتاب الوجود
وصل : اعلم أنه ليس في البصائر والأبصار غير الوجود والصور القائمة به من المحسوسات والمعقولات لا غير ، فالأجسام كلها صور ، وكذلك أعضاؤها ، وأبعاضها وأجزاؤها ، والألوان القائمة بها ، والطعوم والروائح ، وكذلك جميع الكيفيات والكميات ، والأماكن والأزمان ، صورا أيضا . وكذلك المعاني ، والقوى الباطنة والظاهرية ، صور كذلك ، ومجموع العالم كله ، إما أعراض ، أو أجسام ، أو أرواح ، والأرواح قائمة بأمر اللّه تعالى من غير واسطة كما قال اللّه تعالى : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ( سورة الإسراء : 85 ) « 1 » . وأمر اللّه تعالى ظاهر مستتر كلمح البصر كما قال سبحانه : وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ( سورة القمر : 50 ) . فالأرواح القائمة به كلمح بالبصر أيضا ، بل الأجسام والأعراض كلها كذلك لقيامها بأمر اللّه تعالى الذي هو كلمح بالبصر . قال تعالى : وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ( سورة الروم : 25 ) « 2 » . والسماء والأرض مجموع أجسام وأعرض ، والأعراض صورة محسوسة أو معقولة أو موهومة ، وهي كلها لا بقاء لها بإجماع العقلاء ، بل وقت وجودها عندهم مقترن بوقت عدمها ، وهكذا فهي موهمة البقاء بتجدد الأمثال ؛ لأنها مجموع أعراض أيضا
--> ( 1 ) جاء في أسباب الترول لجلال الدين السيوطي ، بهامش الجلالين ( 1 / 228 ) قوله : « أخرج ابن جرير من طريق ابن إسحاق عن شيخ من أهل مصر عن عكرمة عن ابن عباس : وذكر قصة عن اليهود قالوا : سلوه عن ثلاث : عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان أمرهم ؟ فإنه كان لهم أمر عجيب ، وسلوه عن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه ؟ وسلوه عن الروح ما هي ؟ . . فجاء جبريل من اللّه بسورة أصحاب الكهف ، وقول اللّه : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ( الإسراء : 85 ) . ( 2 ) قال ابن كثير : « أي هي قائمة ثابتة بأمره لها وتسخيره إياها ، ثم إذا كان يوم القيامة بدلت الأرض غير الأرض والسماوات ، وخرجت الأموات من قبورها أحياء بأمره تعالى » [ تفسير ابن كثير ( 3 / 415 ) ، طبعة دار الجيل ] .